المقريزي

203

المقفى الكبير

والماء حتى آتي عليهم . - فخرج إليها فأعجبه مكانها . وقيل : بل كان سبب بنائها أنّه لمّا كثر تأذّي أهل بغداد بعساكره ركب يوما ، فقام إليه شيخ فقال : يا أبا إسحاق ! - فأراد الجند ضربه ، فمنعهم من ذلك وقال له : ما لك ؟ فقال الشيخ : لا جزاك اللّه عن الجوار خيرا ! جاروتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا ، فأيتمت بهم صبياننا وأرملت نساءنا وقتلت رجالنا - وهو يسمع له حتّى فرغ ، فدخل منزله ولم ير راكبا إلى مثل ذلك اليوم . فخرج وصلّى بالناس العيد ، ولم يدخل بغداد ، بل سار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد . قال مسرور الكبير : سألني المعتصم : أين كان الرشيد يتنزّه ؟ قلت : بالقاطول . وكان قد بنى هناك مدينة وسوّرها ، وقد خاف من الجند . فلمّا وثب أهل الشام بالشام وعصوا ، خرج إلى الرقّة فأقام بها وبقيت مدينة القاطول لم تتمّ . ولمّا خرج المعتصم إلى القاطول ، استخلف ببغداد ابنه أبا جعفر هارون الملقّب بالواثق بعد ذلك . [ مرتزقة المغاربة والفراغنة ] وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر واستخدمهم وسمّاهم المغاربة . وجمع خلقا من سمرقند واشروسنة وفرغانة وسمّاهم الفراغنة « 1 » ، وصار له سبعون ألف مملوك ، سوى الأحرار ، ومن الخيل ما لا يحصى . وكان المعتصم قد قبض على الفضل بن مروان ونكبه وأهل بيته في صفر سنة عشرين لكثرة مواليه واستبداده بالأمور ، وصيّر مكانه محمّد بن عبد الملك الزيّات ، فصار كاتبا ووزيرا . وكانت في سنة إحدى وعشرين حروب بين بابك ، وبين بغا الكبير ، فهزم بغا وواقع الأفشين فانهزم بابك بمن معه . ونزل الأفشين في معسكره ، فبيّته بابك ونقض عسكره ، فانصرف الأفشين إلى عسكره ، ولحق به بغا فتقطّع عسكره وألقوا سلاحهم . فلمّا نزلا وقد تعب عسكره وفنيت أزوادهم كبسهم بابك ، ففرّ بغا راجلا ، ثمّ نجا على دابّة حتى لحق بمعسكره ، فأخذ بابك المال والسلاح ، فبعث المعتصم في سنة اثنتين وعشرين مددا ، وتاجا تتوّج به ، ومبلغ ثلاثين ألف ألف درهم لنفقات الجند . فكانت بينه وبين بابك حروب آلت إلى أن فتحت البذّ مدينة بابك ، واستباح الجند ما فيها وخرّبوها ، لعشر بقين من شهر رمضان . وطلب بابك الأمان ، ثمّ مرّ على وجهه فقتل أصحابه عن آخرهم ، وأخذت أولاده وعياله . وطلب بابك حتّى أخذ فحمل إلى الأفشين فوكّل به وأمر لمن قبض عليه بألف ألف درهم ومنطقة ، وللّذي أتى به بمائة ألف درهم ، وكتب إلى المعتصم بذلك فأمره أن يأتيه به . فسار به الأفشين حتّى قدم به سامرّا وبأخيه عبد اللّه في صفر ، فكان المعتصم يبعث إلى الأفشين في كلّ يوم من حين مسيره إلى أن وافى سامرّا خلعة وفرسا . ثمّ بعث إليه لمّا قرب بابنه هارون الواثق وأهل بيته ، فتلقّوه ، وأنزله في قصر بالمطيرة ومعه بابك . وخرج إليه أحمد بن أبي دؤاد فنظر إلى بابك ثمّ عاد ، فخرج المعتصم أيضا متنكّرا فرآه . [ قتل بابك صبرا ] فلمّا كان الغد ، قعد المعتصم ، وصفّ الناس

--> ( 1 ) الطبري 9 / 104 .